محمد عمر بحّاح
رائحَةُالخُبْزِ (المَدْهُور1)
الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 الساعة 11:37
محمد عمر بحّاح
يَذكُرُ الطفل الذي كُنتهُ والذي لايريد أن يكبر أننا كنا جميعاً لانَتخلّفُ عن( صَبُوح2 )العائلة ! كان ثَمَّ جَدّ اِسمه (أحمد فرج )يتصدر المائدة ، وثمة(ُحَبابتي 3مريم )،و كان ثمة أبي، وأمي( سعيدة)، وأمي( حواء )،وأخي (فرج)،وأخي( محفوظ) حين يكونان في (الدِيْس4) ، وزوجتاهما وبقية أخوتي وأخواتي والأحفاد .

#وقبل الفطور العائلي ، كان أبي ينكب علىٰ ركبتي جَدَّي ويدهِ يُقبِلُها ، ورأس (حَبابتي) ويدها ،ثم نتبعهُ نحن البقية حسب العمر والتراتبية، ونُقبِلُ رؤوس أمهاتنا وأيديهُنَّ، ثم يد الأخ الأكبر ،ثم الذي يليه وزوجات أخوتي ، ثم نتحلق حول (مَسْرَفَة5) الفطور .

#لازالتْ رائحة الخُبْز( المَدْهُور )،ورائحة السمك الساردين ( العَيِدة6ْ) و رائحة القهوة لاصقة في أنفي وطعمها في فمي منذ ستين سنة لاتريد أن تغادرني .. ولاوجهُ( حَبَابَتي )السَّمِح الذي يِقْطُرُ طِيْبَةً!، وجه جَدّي الصارم يسألنا إذا كنا قد صلينا الفجر جماعةً في المسجد!! نحن في حضرة الأسرة كلها ومَنْ يتخلّف عن موعد الإفطار أو الغذاء يُحْرَم من الأكل !!

إحترام مواعيد الأكل جزء من العادات والتقاليد التي ينبغي أن نراعيها ونتعلمها ونحرص عليها ،و التراتبية وجذر الأسرة الكبيرة هو الجَدّ والجَدّة ،ثم يأتي الأب والأم والأخ الأكبر، وهكذا…..

# ذلك الزمن الجميل الذي تكتبُ عنه لم يعد موجوداً ! هكذا كتبتْ لي أختي( نجاة بحّاح)

أضافتْ: الآن بَارَتِ التُرْبَة، ويبس النخيل ،وأهمِلتْ، وتخلوا عنها إلاّمانذر،وأهمِلتْ (العُتُوم7) ونَشفتْ !!

حتىّٰ عادات البيوت في( الدَهْرَة8) و(مَشَكَات9) السمك ،وتَجمُّع أهل البيت حول الجَدِّ والجَدّة وتناول الفطور الجماعي ،كل ذلك انتهىٰ ##حَلَّ محله النوم والروتي !! والناس فرحانون بهذا ،ويعتقدون أنه التطور !! عزيزتي (نجاة )

تَهَبُّنَا حضارة اليوم أشياء ،وتسلب منا أشياءً صغيرةً لكنها جميلة،و تُسلبنا الخبز الأسمر( المَدْهُور10) في التنور، وتعطينا الروتي المصنوع من الدقيق الأبيض في الأفران !! تسلبنا سمك (الدهرة11) ولحم (المَرَق12 )وتعطينا( الشاورما13)

تَخْلُقُ ثقافة غذائية جديدة استهلاكية ، لاتعطي أجسامنا المناعة بل تسلبنا الصحة، فانتشرتْ أمراض لم نكن نعرفها أو نسمع بها !!

إنها ضريبة العصر ندفعها!!

لكن الأخطر من كل هذا أنها تسلبنا من ضمن أشياء كثيرة القِيم العظيمة التي تربينا عليها ! تَنْسلُ من بين أيدينا دون أن نشعر !

ربما (عزيزتي نجاة) أردتُ من خلال هذه الأشياء الصغيرة. التذكيربقيمة الأشياء الكبيرة التي فقدناها : اِستعادة بعض طفولتي وطفولتِك /طفولتنا التي ضاعتْ منا أو مابقيّ منها !!

## داخل كل منا طفل لايريد أن يكبر وزمن مضىٰ نعرفُ أنه لن يعود،

لكنه علىٰ الأقل يبقىٰ في الذاكرة محاولة لاِجتياز الكهولة قبل أن تتمكن منا إلىٰ الطفولة ! ********************

#(الهوامش) :

*(1)(المَدْهُور:(القمح كامل الحُبوب المصنوع في (التَنْوّر) ،و(التَنْنُور) مَوْقِدُ النار المصنوع من الفخار، والموضوع تحت أعواد الحَطَب ،الملتهبة بما يضمن الانضاج المُتْقَن!!

*(الصَبُوح 2): وجبة الفطور،

*(الحَبَابَة3) :الجَدّة.

*(الدِيْس4) :هي بلدة الكاتب، وهي (الدِيْس الشَّرْقِيِّة) التي تُعَدُّ كما سبقتْ الإشارة بمثابة البطل المكاني لأحداث الحكايات (الإشارة من الناشر).

*(المَسْرَفَة5) :هي هنا بمثابة سُفْرَة الطعام، وهي مصنوعة من سَعَفِ النخيل على شكل دائري، وتحرص النسوة أو ربّات البيوت على تلوِّين الخَوْص الذي تُصْنَع منه هذه (المَسْرَفَة) بألوان زاهية ورسومات جميلة لفتح شهية الآكلين!!

*(العَيْدَة6) :سمك صغير الحجم، لذيذ الطَعْم، له مواسم معينة وفوائد غذائية جمة، وحين يجود البحر بالوفير منه في مواسمه يرخص ثمنه، بل أن البيوتات تَهدي منه بعضها بعضاً!!

*(العُتُوم7) :مجاري مياه نهر (الصَيْق) السابقة الإشارة إليه في حلقات سابقة.

*(الدَهْرة8) صناعة الخبز في (التنوّر).

*(المَدْهُور،9 والدَهْرَة10):سبقت الإشارة إليه اعلاه.

*(المَشَك11) :باقة مصنوعة من خوص النخيل لحمل الأسماك وخاصة (العَيْدَة)، وماكان على شاكلتها من الأسماك.

(المَرَق12، والشاوارما13) : معروفتان.

تعليقات القراءالتعليقات المنشورة لا تعبر عن الموقع وإنما تعبر عن رأي اصحابها.
شارك برأيك
الأسم
الموضوع
النص