فكرية شحرة
عيون قلبي تلتصق بوجه الزجاج
السبت 14 مارس 2020 الساعة 15:31
فكرية شحرة
المطر هنا يأتي ويذهب بإلحاح ظامئ وليس اكتفاء مرتوٍ .

تماماً كرغبتي في البكاء بلا سبب مقنع, أصرفها فتذهب حياء من أحزان كبيرة ثم تعود فتملأ عينّي بالدموع, وأظل أنقب في قلبي المنهك عن سبب يقنعني بالبكاء, إنما لفرط الأسباب حولنا لا أظن أن بكائي يبدو مشهدا يثير التساؤل .

أشعر أني عندما أترك البكاء بلا سبب أو بسبب ضعفي الأزلي سأثق أني أصبحت ناضجة ولا أحتاج لصدر أمي كي أبكي عليه.

مراقبة المطر من النافذة دائي القديم .

عيون قلبي تلتصق بوجه الزجاج تمسح قطرات تشبه دموع عالقة؛ في الصغر كنت أنافس زجاج النافذة فأترك لساني خارجا يتلقى القطرات الباردة؛ حين كساني الخجل أصبح البرد يغار من حبي القديم للمطر فيتشبث بأطرافي يجذبني بعيدا عن النافذة؛ يغويني بدفء الأغطية.

كان المطر زيتا لسراج دفئي منذ الصغر .

مطر الليل تهطل معه زخات من الذكريات لوجوه مضيئة من زمن الطفولة .

حين كنا نرفع وجوهنا المكشوفة لقطرات القبل الباردة؛ نلعق بأطراف اللسان رضاب المطر العذب؛ كنت أنفض أهدابي مما علق بها كجنح طير لم تقص ريشاته بالحزن والخوف.

أتذكر فيض تلك القبلات وقلبي الخالي ملء كفي حرا كعصفور يستعد للطيران .

الروح التي كانت تراقب العالم من نافذة زجاجية صعب عليها أن تجد نفسها في هذا العالم دون حاجز شفاف ترى من خلاله البشر ولا يراها أحد.

أعشق المشي كثيراّ فإذا أجتمع المشي والمطر كان إحدى السعادات.

أنا كائن مطري أموت بانقشاع المطر .

قلت مرة لرفيقتي : أحيانا أشك أني لو تٌركت أمشي في طريق مستقيم فلن أرد إلا من الحدود.

أجد نفسي حين أمشي؛ فالمشي بالنسبة لي أسلوب حياة.

أنا بخير ما دمت أسير مسافات طويلة؛ أثناء ما أمشي أكتب في رأسي أجمل النصوص ولا أجد حرجا من إخراج المفكرة لتقييدها.

أسلوب حياة لأني كثيرا ما أقول الذي أريد ثم أرحل.

دائما تأتي مرة أخيرة نقول فيها كل شيء ثم لا نكرر رجاءنا نحو أشياء رفضتنا بإصرار؛ المداراة تتعب أرواحنا؛ تمزق الداخل حين يكتظ دون تنفيس.

أفكر ..يمكن للمرء أن يستعيد شيئا؛ شخصا يحبه لكنه لن يفعل مع شيء أو شخص يرفضه.

أكره الحديث أثناء المشي؛ وإن حدث لا أكاد أسمع ما يقال إلا لماما.

أكون مشغولة بحديث النفس عشرات الحوارات التي افتحها وانهيها مع نفسي نتفق ونختلف.

أمشي وأمشي وأنا على يقين اني سأصادف حلما يستحق الاعتناق.. وبذل الروح بسخاء.

سرت اليوم بين المطر حتى أخضلت ثيابي.

كأنني أختبر نوعا جديدا من الحياة كأنما أحتسي بقية الكأس؛ وكم يبدو مسكرا.

أبدو كامرأة فعلت كل ما يمكن أن تفعله حين تخشى نفاذ العمر .

وصلت كل سبيل قطعه اليأس بمزق كبريائها وسكبت الحب حتى فاضت كؤوس من حولها وامطرت الكلمات حتى فاضت صفحاتها.

لا أظن أن هناك أسوأ على القلب من أن يعطي ويبذل بصدق فيستخف به .

أصعب الأمور على النفوس الكريمة أن تعشق ما يذلها؛ إذا قلبي أذلني وأدته فما أهنأ وأد القلوب المذلةِ .

ولا أقسى من وصف مشاعرك الجياشة بالهبل والسخف.

يقيني أن اعتزال البشر فريضة على كل قلب عجز عن فهم البشر حوله؛ عجز عن مجاراتهم؛ والصبر على غلظتهم وخذلانهم.

لا أمرُّ من نداءاتك اليائسة إلا أن ترتد صمتاً من العدم .

العزلة هي اختيار قلبي القديم والأخير.

كأنما منذ قامت أرحام أمهاتنا بطردنا خارجها في مخاض عسير وفراق موجع, منذ ذلك الحين ونحن نبحث عن ركن خاص ننزوي فيه بمشاعرنا.

ركنا فيه خصوصية الوحدة والصمت وفيه كل ما نحتاج في خلوتنا من أشيائنا الصغيرة والمحببة.

كلما استوطنا ركنا ما يحمل طابعنا الشخصي نجد أنفسنا مضطرين للرحيل عنه, نظل في ترحال دائم واقتحام مستمر لعزلة هنيئة, نحاول فيها أن نفكر, أو نتفكر, أو نجد تفسيرا لما يعجز العقل عن معايشته في هذه الدنيا .

لا يحظى المرء أبدا بخلوة مع النفس أبدا يظل مطارداً بألف ذكرى تسكنه .

لعل الخلوة التي يمكن أن نحظى بها يوما في ركن خاص لا يزاحمنا فيه أحدا أبدا هي في تلك الحفرة الضيقة وفي لحد أضيق .

ربما حينها سنكون عاجزين عن التفكير أو التأمل لكننا قد نتخفف من أحزاننا الصامتة.
تعليقات القراءالتعليقات المنشورة لا تعبر عن الموقع وإنما تعبر عن رأي اصحابها.
شارك برأيك
الأسم
الموضوع
النص