فكرية شحرة
أماكن لا تصلها الإنسانية
الثلاثاء 25 ديسمبر 2018 الساعة 18:26
فكرية شحرة

شار إلي الرجل المتهالك من التعب وقال وهو يلهث :

_ هناك أعلى الجبل ستجدها مع بناتها؛ وأعذرني لم أعد قادرا على مرافقتك لمشقة الصعود؛ أنا أزورهم مرة كل أسبوع وأتعب بسبب ذلك تعبا شديدا وأعجز عن حمل ما يكفيهم؛ وبسط كفيه بيأس : لا تصل السيارات إلى هناك وليس لدي حمار .

قلت له بامتنان صادق :

_لا عليك؛ أستطيع أن أكمل الطريق وحدي ..شكرا لك .

صعدت المنحدرات المعشبة وثباً؛ كانت المسافة طويلة فعلا؛ لا أتفهم سر هذا العشق اليمني للسكن في أماكن صعبة الوصول؛ اختيار الإنسان اليمني بناء قراه على حافة الأفق قريبا من السماء؛ بعيدا عن وديانه التي يرعاها ويشق عليه أحيانا الهبوط إليها والصعود منها .

لم يكن هناك قرية كما توقعت بل ركام مساكن قديمة متهالكة ومهجورة تعد على الأصابع .

وأنا أمضي نحو البيت الذي بدا حياً بينها ظهرت أزواج العيون الواحدة تلو الأخرى لفتيات نحيلات بأسمال مهترئة لكنها لم تنس رغم فاقتها الواضحة أن تغطي وجوهها فلا تظهر سوى عيون مستطلعة؛ ربما البرد في هذا المكان هو السبب الأول لوجود اللثام على وجوه الفتيات الصغيرات فلا ناس ولا غرباء هنا باستثنائي .

سألتهن بابتسامة متوددة ما أن اقتربت :

_ أين الجدة يا صغيرات ؟

فتدافعن إلى داخل البيت كل واحدة تنقل الخبر إلى جدتها .

كان الجوع يبرز في محاجر أعينهن الغارقة داخل الجماجم الصغيرة؛ أعتصر الوجع قلبي بقوة؛ لكن ما أن برزت الجدة العتيدة حتى أسود الأفق أمامي ..

كانت عجوز لا يكسو العظم منها سوى جلد تشقق لشدة الأعمال التي تنوء تحت ثقلها؛ اقتربت مني بفرحة شديدة كان الرجل قد حدثها أني سآتي إليهم بما يسد جوعهم .

من حديثها الطويل عرفت أنها رجل البيت المتهالك هذا بعد موت زوجها من سنوات طويلة؛ ورحيل ولدها الأكبر للتجنيد مع الشرعية واستشهاده في صرواح بعد أن ترك زوجته مع خمس فتيات وولد مريض؛ ليرحل بعده ولدها الثاني مع الحوثيين ليختفي منذ سنتين لا تعرف هل هو حي أم ميت وترك لها زوجته وابنتيه .

تتحدث كيف كانت هذه البيوت عامرة بالناس لكنهم نزحوا من الفاقة والجوع وعجزت هي أن تذهب إلى أي مكان؛ وحيدة مع عائلتها الكبيرة من النساء فقط .

وأنا أغادرهم تلاحقني أزواج العيون الجائعة تعثرت خطواتي وأنا أتخيل كم من الأسر المنقطعة في أماكن معزولة كهذا المكان؛ هناك ينهشها الجوع ولا تصل إليها إغاثات المنظمات الغذائية .

كم هي عشش الفقراء على سواحل تهامة والخوخة وصحراؤها لا يصل خبرها إلى رعاة الإنسانية المجزئة .

كم من أفواه أطبقها الجوع والحياء والعجز وبُعد الشقة وطول المشقة ؟!!

مهما بذلت هذه المنظمات من نوايا حسنة تظل تسكب خيرها في حِجر المليشيا وأعوانها ويستفيد منها نزر بسيط من المقصودين بالإعانات ..

هذه حقيقة الحروب؛ لهذا تنتشر المجاعة ويموت الناس؛ ويقتل من لا يستحق ويشبع من لا يجوع ويكرم الهين وينتصر الشر ..هذه هي حقيقة الحرب .

لوحت للفتيات مودعا وواعدا بالعودة بما يحتجن والألم يعتصر قلبي لحال النساء في هذا الوطن

إنها المرأة حين يقع على كاهلها وجع الحرب كله

تعليقات القراءالتعليقات المنشورة لا تعبر عن الموقع وإنما تعبر عن رأي اصحابها.
شارك برأيك
الأسم
الموضوع
النص
واحة الأدب
سوسن العريقي بين موت وآخر سوسن العريقي
صالح موسى مأسي وطن صالح موسى