غازي المفلحي
مشروع هادي حل منصف وعادل
الاربعاء 11 اكتوبر 2017 الساعة 15:23
غازي المفلحي

"لا كرامة لنبي في قومة " أمثولة عميقة الدلالة اختبرت الإنسانية صدقها على مر العصور، ففي كل عصر كان هناك رجال مصلحين وثوار ومجددين واصحاب فكر سعوا الى تغيير مجتمعاتهم نحو الأفضل وتحقيق العدالةومواجهة الظلم ، الا ان ما قابلوه دائما كان الإستخفاف والنكران والتسفيه وعلى وجه خاص من العامة  الذين يفترض انهم اصحاب المصلحة الحقيقية من هذا التغيير  .

ذلك حدث في العصور الغابرة ، اما في عصرنا فيكاد هذا المثل ان يكون مفصلا بالمقاس على رجل اسمه عبدربه منصور هادي .

تولى هادي سدة الرئاسة في ظروف بالغة التعقيد والخطر ، لكنه من اللحظة الأولىوضع نصب عينيه ليس فقط ان يعيد الأمن والسلام الى ربوع مجتمع مزقته صراعات الأطماع والمظالم ، بل تعدى طموحه الى محاولة رفع الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب شمالا وجنوبا بفعل ثقافة الفيد والنهب والسلب والإستحواذ التي انتهجها نظام صنعاء في حكم الشمال لقرون خلت ، وكذلك الجنوب منذ صيف 1994 .

خبر الرجل عمق المشكلة مذ وطئت قدماه ارض الشمال ناجيا بجلده من بطش الرفاق في الجنوب ، عايش وعاين ورأى كيف يمضي اليمنيون الشماليون حياتهم كدّا واجتهاداً ومثابرة ،  فلاحين في المزارع والأرياف او عمالا في حواضر المدن ، اوفي بلاد المهجر على امتداد  القارات الخمس يكافحون لتوفير لقمة عيش شريفةمغمسة بالعرق ،الا ان حصيلة عملهم واجتهادهملا يذهب الى جيوبهم كاملاكما يفترض، فهناك من يتربص لتقاسمه معهم من الفاسدين واللصوص والناهبين المسيطرين على اجهزة الدولةالتي حولوها الىثقب أسوديبتلع فائض العمل المجتمعي لا لتوظيفه في التنمية وتحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي وتعليمي .. الخ .. بل لتحويله الى ارصدة وقصور وحياة بذخ واسراف لهذه الطبقة الطفيلية في بلد يتم تصنيفه دائما في كل تقارير التنمية الدولية بأنه افقر بلد عربي .

لم ينتظر هادي طويلا ، فبقدر وضوح المشكلة امام عقله الذكيكان الحل واضحا ايضا ، وهووضع حد نهائي والى الأبد لهذا الظلم الفاحش من خلال بناء دولة مدنية اتحاديةيسودها العدل والمساواة وسيادة القانون  ، وينتهي بها استغلال الإنسان لأخيه الإنسان .

قبل هادي حاول ابراهيم الحمدي بناء هذه الدولة لكن الأوليجاركية العسقبلية لم تمهله وعاقبته بالقتل ، فالفيد الذي يجنونه من سيطرتهم على الدولة هو حق تاريخي في مفهومهم لا يجوز المساس به او تغييره ،ولم يكن مصير ابراهيم الحمدي ليغيب عن وعي هادي فقد كان يعرف يقينا ان هذا هو الجزاء الذي ينتظر كل من يحاول المساس بهذا "التابو"ومع ذلك فقد قرر ان يضع حياته على المحك ويمضي على نفس الطريق حتى نهايته مهما كانت النتائج  .

أين تكمن عظمة هادي ؟

تتجلى عظمة هادي في التضحية ، فقد كان بمقدوره اختيار الطريق السهل ، فيرضى بوظيفة رئيس جمهورية ولو شكلية ، صورته تتصدر الصحف الحكومية اليومية ، والتلفزيون ينقل اخباره في كل نشرة اخبار ، وكل اسبوع يأمر بتجهيزالطائرة الرئاسية لرحلة خارجية رسمية وغير رسمية يفرش له بها البساط الأحمر ويحظى فيها بكرم الضيافة وحسن الإستقبال في كل مكان يذهب اليه ، ويهذا يضمن ان يعيش ما تبقى له من عمر في بحبوحة من الرفاهية والعيش الرغيد..

ولم يكن الثمن المطلوب منه شيئا معجزا بل كان عاديا ويفعله كثيرون كل يوم  ، وهو ان يُرخي الطبع، ويغض الطرف ، ويمشي جنبالجدار ، بعبارة اخرى عليه ان ينسى معاناة الناس الطيبين الفقراء المعوزين المحرومين المضطهدين من ابناء وطنه، وان يقوم بدلا عن ذلك بتمرير قرارات وتعيينات تخدم مصالح الطبقة المسيطرة والمهيمنة وفي المقابل سوف يقوم هؤلاءبحمايته وضمان ديمومة جلوسه على كرسي الرئاسة  ، اما امام ضميره فيستطيع ببساطة ان يتحجج بالقول– كما يفعل كثيرون -  ومالذي يمكنني عمله ؟

لكن هادي كان يعرف اكثر من غيره ان ضميره الحي لم يكن ليقبل مثل هذه الحجة ، وان عذاب الضمير الذي ينتظره سوف يفسد عليه ما تبقى من حياته ، لهذا كاناختياره ليس الطريق المعبد بالإمتيازات والرفاهية بل الطريق الصعب حيث يتربص به الخطر عند كل منعطفوزاوية ، خطر سوف يهدد حياتهومع ذلك فهو عندهاهون من تحمل عذاب لا قدرة لضميره الحي على احتماله  .

طريق الفيدرالية

مشروع الفيدرالية الذي تبناه هادي كحل نهائي ومثالي للظلم الإجتماعي التي تسببت به ثقافة التسلط والنهب والسلب والفيديعني تجريد لوبي المصالحوالإستقواء والتعصب من الوسائل والأدوات التي تمكنه منالتشبث بضروع الدولة يمتصون حليبهاودمها ويعطلون دورها في السيربالمجتمع نحو التقدم والتطور ..

وهذا المشروع في الحقيقة لم يكن اكتشافا جديدا ولا هو من قبيل اعادة اختراع العجلة ، بل هو تطبيق لواحد من ارقى انظمة الحكم التي توصلت اليها الإنسانية بعد عصور منالصراع مع الديكتاتورية والطغيان والفردية والحكم المطلق ، ومع مفاهيم ثيوقراطية من قبيل انا القانون ، وأنا الدولة ، والحق الإلهي  ، التي حكمت او تحكمت بالبشرية في العصور القديمة والوسطى .

جوهر النظام الفيدرالي يقوم على مبدأ إنهاء تركيز السلطة والثروة في المركز واعادة توزيعها على الأقاليم ، وهو ما يضمنتحقيق مجموعة اهداف كانت على الدوام في بؤرة نضال اليمنيين وكفاحهم :

1.         انهاء دكتاتورية النظام السياسي التي ظلت مهيمنة على انظمة الحكم المتتابعة سواء في العهود القديمة او في العهد الجمهوري .

2.         تحرير الفئات الإجتماعية المستضعفة والمسالمة والتي تمثل الغالبية العظمي لليمنيين من هيمنة وتسلطفئات الإستعلاء القبلي المسلحة .

3.         إعادة توزيع الثروة بما يضمن تحقيق العدالة وانهاء الإستغلال .

4.         وضع حد للمفاهيم الثقافية المتخلفة التي اسست للشعار المنحرف" لكل بحسب ما وصلت اليه يده "والذي قاد الى مرحلة النهب الكبير لإمكانيات البلد وثروتها ، واستبدالها بثقافة الجهدوالعمل بما يتوافقومبدأ "لكل بحسب مساهمته في الإنتاج والتنمية ".

كيف سيسهم النظام الفيدرالي في حل القضية الجنوبية ؟

اذا كان النظام الفيدرالي يحمل في طياته العديد من الحلول للكثير من المشكلات التي عاناها- ولا يزال - اليمنيون شمالا وجنوبا ، فإنه بوجه خاص يحمل في ثناياه الحل النهائي لقضية القضايا في حياة اليمنيين اليوم وهي القضية الجنوبية .

صحيح ان الحل الذي تقدمه الفيدرالية ليس فوريا ولكنه مضمون النتائج ، وكل ما يحتاجه الجنوبيون هو ان يفهموا بصورة دقيقة ماذا تعني الفيدرالية وماذا سيترتب عليها ؟

اولا : كون اهم مبدأ للفيدرالية هو اعادة توزيع السلطة والثروة فهذا يعني ان الفيدرالية في مرحلتها الأولى سوفتحقق –ولو جزئيا - اهم مطالب الجنوبيينالداعية الى انهاء تسلط النظام في الشمال عليهم ونهبه لثرواتهم .

ثانيا : تطبيق الفيدرالية سوف يترتب عليه انتخاب مجلس تشريعي جنوبي ، ورئيس اقليم جنوبي ، وتكوين حكومة اقليم جنوبيه ، وهذا في المحصلة النهائيةكما لو كاناعادة بناء جزئية لهيكل دولة الجنوب ، ليست دولة الحزب القديمة ولكنها هيئات سلطة منتخبة تعبر عن خيارات وتطلعات الشعب الجنوبي اليوم .

ولا خوف من نتيجة هذا الإنتخاب ، فالشعب الجنوبي لن يختار الا من يحظى بثقة الشعبوالقادر على تحقيق تطلعاته وطموحاته واهدافه .

ثالثا : المجلس التشريعي الجنوبي ورئيس الإقليم والحكومة الجنوبية لن تكون مجرد هيئات محليه تحظى باعتراف محلي كما انها لن تكون شبيهه بما افرزتهمظاهرة شعبيه انتهت باعطاء تفويض نيابة عن الشعب لمجموعة أشخاص ليمثلوا الشعب ويطلقوا على انفسهم الممثل الشرعي والوحيد للشعب الجنوبي ،بل ستحظى باعتراف الإقليم والعالم ، فالعالم لا يعترف الابالشرعية التي تاتي بهاانتخابات حرة ونزيهه ، وما عداها ليس له قيمة شرعية بنظر العالم .

رابعا : بعد انتخاب سلطة اقليم شرعية للجنوب معترف بها على نطاق دولي ، تستطيع هذه السلطة ان تطالب من خلال المجلس التشريعي الجنوبي باجراء استفتاء للجنوبيين حول بقاءهم في دولة فيدرالية او كونفدرالية او الإنفصال في دولة مستقله ، ولن يكون في وسع احدالمجادلة في مشروعية الطلب فهو من وجهة نظر العالم مطلب مشروع لأنه جاء من جهه ذات صفة شرعية معترف بها محليا واقليميا ودوليا ، فاذا ما تم الإتفاق على فترة مزمنه لهذا الإستفتاء وصوت فيه الناس لخيار الإنفصال فهذا يعني ان الجنوبيين يمكن ان يستعيدوا دولتهم المستقله ذات السياده اذا ارادوا في ظرف 3- 5 خمس سنوات من تطبيق الفيدرالية .

هناك نموذج حي لهذا السيناريو لا نزال نعيش ارتداداته حتى هذه اللحظة وهو استفتاء كردستان العراق ، فالأكراد ما كان في مقدورهم تنظيم هذا الإستفتاء مالم يبادروا اولا الى بناء سلطتهم الخاصة في اقليمهم المستقل ، المرور بمرحلة الأقلمة وفر للأكراد - عبر الإنتخابات - فرصة انشاء سلطة اقليمتمثل الشعب الكردي من الرئيس الى الموظف البسيط في اصغر وحده ادارية في اطار الإقليم ، وهذه السلطة هي التي نظمت الإستفتاء وانجحته وبدونها ما كان لهذا الإستفتاء ان يتم ، ورغم اننا لا نتوقع نجاح الأكراد في تحقيق حلم الدولة لأسباب كثيرة معقدةليس مجال التطرق لها الآن ، الا ان ما يهمنا ان الإستفتاء قد تم رغما عن السلطة المركزية في بغداد ورغم معارضة الإقليم بل والعالم اجمع باستثناء اسرائيل .

اختلاف النموذج الجنوبي عن الكردي يتبدى بوضوح في ان الإقليم ليس معادي لتطلعات الجنوبيين ولا العالم ايضا ، ولو ان الجنوبيين من خلال الإستفتاء اختاروا الإنفصال فسوف يدعم الإقليم والعالم اختيارهم ، لكن بشرط ان تتم الأمور وفق الأسس والضوابط التي يفهمها العالم  وفي مقدمتها وجود سلطة شرعية تمثل الشعب الجنوبي ، لا تستمد شرعيتها من مظاهرات بل من انتخابات حرة ونزيهه يشهد بحريتها ونزاهتها العالم .

تعليقات القراءالتعليقات المنشورة لا تعبر عن الموقع وإنما تعبر عن رأي اصحابها.
شارك برأيك
الأسم
الموضوع
النص
مقالات وآراءكتابات
محمد عبدالله القادري لهذه الأسباب يختلف بحاح مع بن دغر محمد عبدالله القادري
فارس ابو بارعه الدركتل..! فارس ابو بارعه
محمد سالم بارمادة مطهر تقي ... قف عند حدك محمد سالم بارمادة